كيف يغيرنا الله؟


تنتاب حياتنا من حينٍ لأخر مجالات نصارع فيها كثيراً؛ المجالات التي نتمنى أن تكون مختلفة. من المرجح أن يكون سبب شعورنا بالإحباط هو عثرات أو عادات أخلاقية. كيف يريدنا الله أن نتعامل مع هذه المجالات؟ هل يوجد طريقة لإيجاد الحرية والتغيير الحقيقي؟ نعم يوجد. الذي فهمته عن نعمة الله أحدث فرقاً قوياً في حياتي. وأنا واثقة أنه من الممكن أن يحدث نفس الفرق القوي في حياتكم.
ماذا يتبادر إلى ذهنكم عندما تسمعون كلمة النعمة؟ أعتقد أن أفضل تعريف وجدته كان قد كتبه المؤلف جوزف كوك (Joseph Cooke)، "النعمة ليست أكثر أو أقل من الوجه الذي تعتريه المحبة عندما تُقابل بالنقائص والضعفات والفشل والخطية."

ما هي النعمة؟
أنها تلك الصفة المميزة في قلب الله التي تجعله لا يتعامل معنا حسب خطايانا وألا ينتقم منا بحسب آثامنا. إنها أمانة الله لنا حتى لو كنا غير أمينين. بالحقيقة، أنها ما يجب أن تكون المحبة عليه حينما تلبي احتياجات المُبغض والضعيف وغير الملائم وغير المستحق والمُحتقر. الله راغب في أن يلبي الاحتياجات دون الرجوع إلى صفة الامتياز. أنها امتياز غير مستحق.

تسكب نعمة الله المحبة واللطافة والامتياز على كل الذين يثقون به. أنت لست مضطراًً للسعي لاكتسابها. كل ما عليك فعله هو أن يكون لك علاقة معه حتى تحصل على نعمته.

أعظم احتياجنا لنعمة الله يكون عندما ندرك أنه يوجد في حياتنا بعض المظاهر الخطأ، أمور مثل: القرارات الضعيفة والعادات والسلوكيات التي نخجل منها ومجالات نريد من الله أن يغيرها، ولكننا قد نكون خائفون من دينونته. إذا ما قبلنا المسيح في حياتنا، فأننا نصبح خاصته ويغفر لنا خطايانا ويضعنا تحت نعمته. أنها النعمة التي تحررنا وتغيرنا. لهذا السبب، يهمّنا جداً معرفة ما يقوله الكتاب المقدس عن نعمة الله.
"وبه أيضاً تم لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نقيم فيها الآن. ونحن نفتخر برجائنا في التمتع بمجد الله " (رومية 2:5)
نحن جميعنا نعرف أنه يوجد في داخلنا جزء جيد وجزء باطل. جميعنا لديه ذلك الجزء الذي نريد من العالم كله أن يراه – عندما تكون سلوكياتنا في أفضل حالاتها. ولكن لجميعنا أيضاً ذلك الجزء الذي نريد أن نخفيه عن أعين العالم – الأمور التي تجعلنا نشعر بالخجل بسببها.
نحن نعيش في حضارة تنزع إلى التحسين الذاتي. نمضي الكثير من الوقت والطاقة ونحن نحلل أنفسنا ونحاول أن نكتشف ما الذي يحسن الجزء الباطل ويجعله أفضل. نحن نذهب للتسوق أو إلى الصالات الرياضية مكرسين أوقاتنا وطاقاتنا وأموالنا على تحسين ما نعتبره الجزء الباطل بداخلنا، والجزء الذي لا نستطيع تحسينه أو لم نحسنه بعد، ننزع إلى إخفائه.

الاختباء بخجل
هل تعرضت في حياتك لموقف تبدأ فيه بمعرفة أحدهم، وتقول في أعماق قلبك، " أرجو أن لا يكتشف هذا الشيء عني." أو أنك قد تقول لصديق مقرب، "أرجوك أن لا تقول هذا الشيء عني لأحد." عندما ندخل في علاقة مع الله، فنحن قد نعتقد أنه هو مثلنا. نحن نعتقد أننا بحاجة لأن نخفي جزئنا الباطل عنه. مع ذلك، إذا ما حاولنا أخفاء الأجزاء غير المقبولة في شخصيتنا، فأنه يمكن أن نفقد تلك اللمسة مع ذاتنا الواقعية ويمكننا أن نفقد تلك اللمسة مع الله.
الله ليس مثل ذلك. أن طرقه تختلف عن طرقنا. أنه لا يقبل جزئنا الجيد ويرفض جزئنا الباطل. أنه يرانا كشخص كامل. أنه لا يرى فينا شخصيات منفصلة. أنه يقول، "لا تحاولوا أن تحسنوا من جزئكم الباطل وتجعلوه أفضل، لأنه لا يمكنكم عمل ذلك بأنفسكم. بغض النظر عن مدى امكانية أن تحسنوا من جزئكم الباطل، فانه لن يصبح جيداً بما فيه الكفاية لأنني أن كامل. أعطوني جزئكم الجيد وجزئكم الباطل ودعوني أحولكم إلى شخصية متكاملة."

كيف يمكننا اختبار نعمة الله؟
من الصعب أن نفهم النعمة بدون أن نفهم الشريعة. نحن نرى شريعة الله الكاملة ووصاياه وكيف يريدنا أن نعيش...وبصراحة، نحن كثيراً ما نفشل في العيش حسب معاييره. ما الذي نفعله بشريعة ووصايا الله؟ الشريعة هي بمثابة المرآة بالنسبة لنا. عندما تنظر إلى المرآة فأنت قد ترى بقعة وسخ كبيرة على وجهك والتي لم تكن تعرف أنها موجودة. لا يمكن للمرآة أن تزيل بقعة الوسخ، ولكن أنت بالتأكيد سعيداً لأنك نظرت إلى تلك المرآة قبل خروجك من البيت. بنفس الطريقة، فأن شريعة الله تكشف نقائصنا وخطايانا ونحن نكون شاكرين لرؤيتهم، لأنه بهذه الطريقة يمكن أن نضعهم أمام الله حتى يستطيع الله أن يتعامل معهم بواسطة نعمته. تقول الآية في غلاطية 24:3، "إذن كانت الشريعة هي مؤدبنا حتى مجيء المسيح. لكي نُبرر على أساس الإيمان." عندما نأتي للمسيح فأننا نأتي لمعرفتنا أننا بحاجة لمخلص. الحقيقة هي أننا سوف نحتاج دائم
اً إلى مخلص لبقية عمرنا.

تقول آيات عبرانيين 13:4-16، "ليس هنالك مخلوق واحد محجوب عن نظر الله. بل كل شيء عريان ومكشوف أمام عينيه. هو الذي سنؤدي له حساباً. فما دام لنا رئيس كهنتا العظيم الذي أرتفع مجتازاً السموات. وهو يسوع أبن الله فلنتمسك دائماً بالاعتراف به. ذلك لأن رئيس الكهنة الذي لنا ليس عاجزاً عن تفهم ضعفاتنا. بل إنه قد تعرض للتجارب التي نتعرض نحن لها. إلا إنه بدون خطية. فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة. لننال الرحمة ونجد نعمة تعيننا عند الحاجة."

تقدموا بصدق وتواضع
يمكننا اختبار النعمة عندما نتقدم إلى عرش النعمة بصدق وبتواضع. عكس ذلك هو عندما نحاول أن نختبئ وأن لا نتقدم إلى النور.
سوف أكون صريحة معكم وأشارككم بمجال من حياتي كنت بحاجة لأن أضعه أمام الرب وأمام عرش نعمته. مجال الطعام كله كان يسبب لي مشكلة عويصة طوال معظم حياتي. لا أتذكر أبداً إنني كنت سمينة في طفولتي، ولكن الذي أتذكره هو عندما كنت في الصف العاشر بأن صديقاتي (اللواتي كان وزنهن أقل من وزني) كن يشتكين من سمانتهن. ففكرت في نفسي، "إذا كنَّ يعتقدنَّ إنهنَّ سمينات ووزني أكثر منهن، فلا بد إنني كنت فعلاً سمينة! أعتقد أن وزني لا بد وأنه كان ما يقارب الـ 58 كيلوغراماً في ذلك الوقت. إنني أتذكر متى أصبح الطعام مشكلة في حياتي وبدأت أفكر بما يجب أن لا أكله، الأمر الذي كان يجعلني أرغب في أكله أكثر فأكثر.
كانت والدتي تقول أشياء مثل، "أعتقد أن شكلك سيكون أجمل وستكون ملابسك أفضل إذا لم تأكلين من هذا أو ذاك. لماذا لا تحاولي أن تفقدي بعض الوزن؟"  وحتى إنها أخذتني إلى أخصائية تغذية.
عندما غادرت البيت للذهاب إلى الجامعة وأنا أعلم إنني لا يجب أن أتناول بعض الأطعمة المعينة، فإني كنت أبتاع الطعام وأخبئه. كنت أخبئ قطع الشوكلاتة في درجي. خبئت في أحد الأيام قالب حلوى كامل تحت سريري. وإذا ما أخبرني أحدهم أنه يجب أن لا أكل من هذا أو ذاك، فإني أصبح أكثر رغبة في تناوله أكثر فأكثر. كان يوجد مطعمي هامبورغر قريبان من الجامعة. أتذكر إنني كنت أذهب إلى أحد المطعمين واطلب ساندويتش هامبورغر مع الجبن وبطاطا مقلية ومشروب غازي وآكل كل ذلك. بعدها أقود سيارتي إلى المطعم الثاني واطلب مرة أخرى ساندويتش هامبورغر مع الجبن وبطاطا مقلية والحليب الممزوج بإحدى النكهات. لقد كنت اخجل جداً من أن اطلب هذه الكمية الكبيرة من الطعام في مطعم واحد لذلك كان عليّ أن أحصل عليه من مكانين مختلفين. وإذا لم يكن لدي وقت كافٍ، فإني كنت أذهب إلى واحد من المطاعم وأقول، "حسناً، أريد ساندويتش هامبورغر مع الجبن وبطاطا مقلية ومشروب غازي." وبعدها أقول، "والآن ما الذي يريده زميلي، آه، حسناً أنه يريد ساندويتشة هامبورغر ومشروب غازي وبطاطا مقلية." لقد كنت أتصرف كما لو أنني اطلب طعام لشخصين. وكنت أذهب خارجاً وآكل كل الطعام. لكني كنت أختبئ وكنت أكذب.

عندما أتيت إلى المسيح، فأنه قبلني كما أنا وتدريجياً بدأت ببرنامج الشفاء من موضوع الأكل مع مرور السنوات. كنت في ذلك الوقت آكل بدافع الشراهة، لكن الرب مع مرور الوقت جعلني أتخلص من معظم ذلك الدافع.

لكن في بعض الأحيان كنت لا أزال أصارع وخصوصاً ذهنياً. على سبيل المثال، كنت اعلم أنني سأذهب إلى مؤتمر كبير لغير المتزوجين في كيستون، كولورادو، وفكرت "يجب أن أخفف من وزني قبل ذهابي إلى كيستون." فأحاول جهدي ولكن محاولتي لم تنجح تماماً. وفكرت مرة أخرى، "حسناً، سأبدأ يوم الاثنين المقبل." كان الوقت يقترب بسرعة، لذلك وقبل حوالي أسبوعين من موعد ذهابي إلى المؤتمر، كنت لا أزال أرغب في أن أخسر خمسة كيلوغرامات من وزني. لكن كلما كانت محاولاتي تزداد كلما كانت قدرتي على عمل ذلك تقل. لذلك أفضيت بهمومي لصديقة عزيزة قائلة، "كما تعلمين يا كاي، أنا محبطة كثيراً بسبب وزني ولا أستطيع أن أتعامل مع الموقف بشكل سليم. يجب أن أخسر خمسة كيلو غرامات من وزني قبل الذهاب إلى كيستون." وأخبرتها عن وزني. فقالت، "هل تعتقدين يا نيّ أنهم سيحبونكِ أكثر في المؤتمر إذا كان وزنك أخف؟" أحسست أني أكاد أختنق وأنا أقول، "هل تعلمين يا كاي إنني أعتقد أنه يوجد شيء بداخلي يجعلني أفكر هكذا." فنظرت إليّ وقالت، "إني أحبكِ يا نيّ كما أنتِ ولا يهمني كم هو وزنكِ." وانتابتني نوبة من البكاء لأن صديقتي كاي أظهرت ليّ النعمة عندما تواضعت وأخبرتها الحقيقة. وهل تعلمون ماذا حصل؟ لقد وجدت دافع داخلي جديد وخففت بعضاً من ذلك الوزن.

ما لا تستطيع الشريعة إنجازه، النعمة تنجزه. تقول الآية في عبرانيين 9:13، "...فمن الأفضل أن يثبت القلب بالنعمة...". سوف يفعل الله نفس الشيء معنا إذا ما تقدمنا إليه بصدق.

أنظروا إلى الآيات في (لوقا 9:18-4 ) حيث يقول يسوع هذا المثل: "وضرب ايضاً هذا المثل لأناس يثقون في أَنفسهِم بأَنهم ابرار ويحتقرون الآخرِين:صعد إنسانان الى الهيكل ليصليا، أحدهما فريسي والآخر جابي ضرائب فوقف الفريسي يصلي في نفسه هكذا: أَشكرك، يا الله ، لأني لست مثل باقي الناس الطماعين الظالمين الزناة، ولا مثل جابي الضرائب هذا اصوم مرتين في الاسبوع، واقدم عشر كل ما اجنيه ولكن جابي الضرائب، وقف من بعيد وهو لا يجرؤ ان يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع صدره قائلاً: ارحمني، يا الله ، انا الخاطيء اقول لكم: ان هذا الإنسان نزل إِلى بيته مبررا، بعكس الآخرِ. فإن كل من يرفع نفسه يوضع؛ ومن يضع نفسه يرفع."

التقدم بصدق وإيمان

إذا ما رفضنا أن تتواضع نفوسنا وتقبل نعمته، فلن يكون هناك أي علاقة. عندما نتقدم إلى الرب ونخبره كم نحن مقصرين في هذه المجالات، حينها سوف يلبي كل احتياجاتنا بنعمته. لا يطلب الله منا أن نغير أنفسنا، بل على العكس فأنه يطلب منا التقدم إليه بصدق وإيمان وطارحين عليه كل همومنا (بطرس الأولى 5:5-7).

أن أفضل الأشخاص الأصحاء هم الأشخاص الذين يدركون أنهم مقصرون وبدلاً من أن يدافعوا عن أنفسهم، يكونوا قادرين على أن يقولوا، "أرحمني يا الله أنا الخاطئ."

حاول الفريسيّ جهده أن بكون قديساً وأن يحافظ على الشريعة ولكن دوافعه هذه كانت لمجرد أعطاء الآخرين الانطباع الحسن عنه. دعاهم يسوع بـ "القبور المفتوحة". كانت هيئتهم الظاهرية تبدو وكأنهم متدينون ولكنهم كانوا أموات داخلياً وقلوبهم مليئة بالحقد والمرارة تجاه يسوع. على سبيل المثال كانوا يطبقون الشريعة إلى حد التطرف وخصوصاً "عدم العمل في أيام السبت." عندما شفى يسوع بدافع محبته العظيمة شخصاً في يوم سبت، قام الفريسيين بانتقاده.

من الأسهل لنا في بعض الأحيان أن تكون علاقتنا مع الشريعة بدلاً من يكون لنا علاقة مع الرب. وأكثر ما يفضله الشيطان هو أن نركز على الشريعة (وصايا الله) بدلاً من التركيز على الله.

هل نريد أن نختبر نعمة الله؟ إذن، يجب أن نتقدم إليه بصدق وتواضع.

جاءتني منذ عدة سنوات امرأة شابة بعد أحدى الحلقات الدراسية. كان وجهها يبدو معتماً وكان يبدو عليها أنها مثقلة بالهموم وتشعر بالإدانة. عندما بدأنا بالتكلم، أدركت أن المسيح موجود في حياتها، ولكنها تعاني من عادة في حياتها تجعلها تشعر بالخجل الشديد. لقد حاولت جهدها التخلص منها لكن دون فائدة تُذكر ولم تستطع إيقافها. على الرغم من جميع تعهداتها ومحاولاتها، فأنها لم تستطع إيقافها. وعندما يحدث ذلك الشيء تشعر بأنها بغيضة ومدانة. فوضحت لها أن الشيطان يحب منا أن نرتكب الخطايا ويحب أن يقض مضاجعنا ورؤوسنا بها حتى ندين أنفسنا. وسألتها إذا ما كانت قد وضعت المشكلة أمام الرب. فكانت إجابتها بالنفي. لقد كانت تشعر بالخجل الشديد لدرجة أنه لم تعرضها أمام الرب أبداً.

"وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (يوحنا الأولى 10:4).

فقلت لها، "في المرة القادمة التي يحدث بها ذلك، وبدلاً من أن تبقي منعزلة، وبدلاً من أن تبقي تشعري بالإدانة، أريد منكِ أن تستخدمي خطيتكِ لتذكركِ بمحبة الله." وأخبرتها أنه عندما يحدث ذلك مرة أخرى أن تظهره إلى النور وأن تقول شيئاً مثل هذا، "أشكرك أيها الرب لأنني أنتمي إليك. أشكرك أيها الرب لأنك تحبني. اجعل أيها الرب دم يسوع المسيح أن يطهرني من كل خطاياي. أني أعترف أيها الرب بخطيتي ولكني لا أستطيع مقاومتها ما لم تمكنني من ذلك أنت أيها الرب. أنني أضع إرادتي ونفسي أيها الرب بين يداك معتمدة على كلمتك. هل تعمل فيّ وبواسطتي بروحك القدوس ما لا أستطيع عمله أنا."


صليت معها وشكرنا الله معاً من أجل نعمته وسلامه. لقد كان واضحاً جداً لي أنها تريد أن تترك هذه الخطية وأن تتوب عنها ولقد فعلت ذلك. استلمت منها بعد شهرين رسالة لأنني طلبت منها أن تكتب لي وتخبرني عن أوضاعها. تقول في رسالتها، "كم أنا مندهشة يا نيّ كيف أنه في هذين الشهرين كل ما كان يسبب لي المشاكل بدأ بالتلاشي إلى شيء ضئيل مقارنة مع ما كانت عليه الأمور." لقد كانت تحت سيطرة الخطية ولكن خارج سيطرة النعمة. عندما تواضعت أمام الرب وأمامي ووضعت خطيتها تحت نور نعمة الله، فأنه لبى احتياجها هناك.

آمنوا بها حتى تحصلوا عليها

تقول الآية في عبرانيين 13:4، "وَلَيْسَ هُنَالِكَ مَخْلُوقٌ وَاحِدٌ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ اللهِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، هُوَ الَّذِي سَنُؤَدِّي لَهُ حِسَاباً." وتقول الآية في رومية 20:5، "وَأَمَّا الشَّرِيعَةُ فَقَدْ أُدْخِلَتْ لِتُظْهِرَ كَثْرَةَ الْمَعْصِيَةِ. وَلَكِنْ، حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيئَةُ، تَتَوَافَرُ النِّعْمَةُ أَكْثَرَ جِدّاً." نعمة الله موجودة ولكن يجب أن نؤمن بها حتى نحصل عليها. يجب أن نثق بكلمة الله التي تقول أن النعمة موجودة حتى يصبح بمقدورنا الحصول عليها. قال أحدهم أنه يوجد شرطاً لا غنىٍ عنه على الإطلاق يجب تلبيته من قبل أي شخص إذا ما كان يريد أن تغير النعمة حياته، وهو أنه يجب أن يؤمن بنعمة الله. يجب أن نتجاوب مع الله بثقة متبادلة وهو سوف يعمل.

إذا كنت أعلم أن الله جدير بالثقة المطلقة وإذا كنت أعلم أن محبته هي حقيقة مطلقة وأن لطفه يكون بإخلاص مطلق وأن اهتمامه بي يعني فعلاً حياة أفضل، فأنه سوف يفعل حينها ما يجب على طبيعته المميزة أن تفعله. أنه سوف يصل إلى أعمق أعماق نفسي حيث أعيش فعلياً ويمكن لنعمته أن تحولني فعلاً. يمكن لنعمة الله أن تلمس أعمق أعماق دوافع قلبي المحفزة ويجعل مني شخصاً جديداً. وهذا هو الشيء الذي يتعهد الله أن يفعله لنا. يقول الله، "فَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أُبْرِمُهُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَضَعُ شَرَائِعِي دَاخِلَ ضَمَائِرِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً" (رومية 10:8). يعمل الله في حياتنا بنعمته ما لم تستطع الشريعة الخارجية عمله أبداً.

تقول الآية في (كورنثوس الثانية 18:3) "ونحن جميعا فيما ننظر الى مجد الرب بوجُوه كالمرآة لا حجاب عليها،نتجلى من مجد الى مجد لنشابه الصورة الواحدة عينها، وذلك بفعل الرب الروح." التحول هو العملية المقصودة. عندما نثق بالله وبكلمته، فأنه سيكون متحرراً ليحول قلوبنا وأذهاننا. لكن يجب أن يكون مفهوماً أن هذا التغيير لا يحدث كله مرة واحدة. أنها عملية متواصلة.

ألف لويس سبيري شافر (Lewis Sperry Chaffer) كتاباً شاملاً عن النعمة يقول فيه، "الشهادة الشاملة الصادقة لكلمة الله هي أن كل مظهر من مظاهر الخلاص وكل بركة للنعمة الإلهية في الوقت الحالي وفي الأبدية يكون شرطهم الوحيد هو الإيمان فقط."

يحولنا الله بنعمته
كيف نختبر نعمة الله إذن؟ نتقدم إليه بضعفاتنا وفي عجزنا وفي خطايانا وفي فشلنا وتقصيرنا. نختار أن نؤمن بمحبته وبمقدرته على تغييرنا، بينما نحن نتمتع بنعمته. النتيجة ستكون أننا سوف ننمو.

في قصة الابن الضال في الإصحاح الخامس عشر من أنجيل لوقا نرى أن الابن الضال قد غادر البيت وبذر أموال والده، لكنه أدرك أخيراً أنه بحاجة للطف المحتمل لوالده. (الآيات 17-19) "ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: مَا أَكْثَرَ خُدَّامَ أَبِي الْمَأْجُورِينَ الَّذِينَ يَفْضُلُ عَنْهُمُ الْخُبْزُ، وَأَنَا هُنَا أَكَادُ أَهْلِكُ جُوعاً (18)سَأَقُومُ وَأَرْجِعُ إِلَى أَبِي، وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ (19)وَلاَ أَسْتَحِقُّ بَعْدُ أَنْ أُدْعَى ابْناً لَكَ: اجْعَلْنِي كَوَاحِدٍ مِنْ خُدَّامِكَ الْمَأْجُورِينَ." لقد تواضع وقام وقفل راجعاً إلى والده. لقد كان صادقاً بعودته إلى أبيه. لكن هل تعلمون ما الذي حصل؟ لم يعجب ذلك شقيقه الأكبر ولا بأي شكل من الأشكال. الشقيق الأكبر الذي وبخ الوالد لأنه أنعم على ابنه كان يمثل الشريعة والناموس. لأن الشقيق الأكبر كان يقول لوالده بما أن شقيقه لم يحافظ على الشرائع، فأنه لا يستحق نعمتك. لكن الوالد كان ما يزال يحب ذلك الابن الضال بغض النظر عما قام به من أعمال.


العلاقة مع الله أقوى بكثير من الشريعة. أكثر ما يريده الشيطان هو أن نبقى مرتبطين بالشريعة حسب الناموس حتى نشعر دائماً بالذنب ونشعر بأننا مدانون طوال الوقت. لكن الرب يقول في (رومية 1:8 )"فالآن إذاً ليس على الّذين في المسيح يسوع أية دينونة بعد." عندما نكون تحت النعمة يكون لدينا أكثر من مجرد مصادرنا الخاصة. لدينا روح الله القدوس الذي يمكننا من عمل مشيئته. الحياة الممتلئة بالروح تدرك نعمة الله لحظة بلحظة. الحياة الممتلئة بالروح تعرف متى تفشل وتسقط وتضع كل الأمور أمام الله مرة أخرى. لا يحدث النمو إلا عندما نتحمل المسؤولية الشخصية لخطايانا ونطلب من الله أن يغيرنا.

مات يسوع على الصليب من أجل خطايانا وسيئاتنا. لقد كنا مذنبين ويسوع دفع ثمن تلك الذنوب. عندما نعترف بخطايانا، فأننا نتعامل مع ما هو خطأ بالطريقة الصحيحة والذي دفع ثمنها مسبقاً يسوع المصلوب على الصليب. مسألة كونك رجل أو امرأة لا يهم، الذي يهم هو أن نكون متواضعين وصادقين فيما يتعلق بخطايانا وأن نقبل نعمته وأن ننمو.
قال جون بويل (John Powell) التالي، "نحن نعتقد أنه يجب علينا أن نتغير وأن ننمو وأن نكون صالحين حتى نكون محبوبين. لكن بالحري فان الله أحبنا ومنحنا نعمته حتى نتغير وأن ننمو وأن نكون صالحين."

العائق الوحيد للشفاء في حياتنا هو الدرجة التي نكشف بها عن أنفسنا. حتى ننمو يجب أن نلتزم بما هو حق. تمنحنا نعمة الله الحرية لمواجهة الله ومواجهة حقيقة أنفسنا تحت نور كلمة الله. عالمين أن الله يحبنا ويقبلنا، فأنه يدعونا لنتقدم إليه بكل شيء حتى ليساعدنا على اختبار الحرية (يوحنا 32:8) والحصول على حياة أفضل (يوحنا 10:10).
 

لا دينونة بعد الآن
أتذكر امرأة شابة جاءت إلي من أجل المشورة. وحسب وصفها فأنها كانت تعاني من التقلصات العصبية في معدتها وأن ذنبها عظيم وأنها لا تستطيع النوم. كان شعورها بالدينونة والخوف الشديد والإهانة فوق التصور. السبب أنها كانت تشعر بهذه الطريقة هو أنها تورطت بعمل لاأخلاقي. أنها تعرف ما تقوله كلمة الله وأنها لا تريد أن تتورط بهذه الطريقة. لقد علقت في أحدى مواقع الإنترنت وكانت خائفة من إخبار أي أحد لأنها كانت تخشى الرفض. قصت على مسمعي القصة بأكملها وهي مطأطئة الرأس. لم تترك أي تفاصيل حتى ولو كانت صغيرة لأنها كانت فعلاً بحاجة للمساعدة. لقد كانت متشحة بالندم بكل صدق على خطاياها. لقد كانت نادمة. اعترفت بحضوري بخطيتها للرب وقبلت مغفرته ونعمته. وأخبرتني لاحقاً أنها عندما جاءت لرؤيتي كانت حبيسة سجن عاطفي داخلي وما وجدته حين جاءت كان المحبة والقبول بدلاً من رفضها.

وبعد عدة أشهر استلمت منها رسالة تقول، "لقد تحطمت قيودي وفُتح باب الزنزانة ورُفع عن كاهلي الآلاف من الأثقال. اشعر الآن بشعور الحرية والانتعاش. عندما كنت معكِ لم أفعل أي شيء. أنتِ الذي قمتِ بالعمل كله. لقد كنتِ أنتِ من فعل ذلك. لقد بينتِ لي محبة يسوع وقبوله ومغفرته." كنت قد طلبت منها في ذلك الوقت أن أكون مسؤولة عن محاسبتها وأخبرتني لاحقاً أنها لم تشعر أن تلك المحاسبة شكلت أي ثقل. لكنها شعرت بالأمان لأنها يجب أن تُحاسب أمام شخص لديه نعمة عظيمة. استمرت بالحصول على مساعدة إضافية وأصبحت تتفهم احتياجاتها أكثر فأكثر وقالت أن النعمة أصبحت أكثر من مجرد نظرية لاهوتية بعدما كانت قد اختبرتها.

الشريعة التي كانت كلها خير وقداسة وكمال كشفت خطيتها كالمرآة. لقد تواضعت واعترفت بخطاياها. قالت الحقيقة لنفسها ولي وللرب. والنتيجة كانت أنها حصلت على النعمة في وقت الحاجة. بوضعها لخطيتها تحت النور وأمام الرب بتواضع وبصدق سمحوا لها بالحصول على النعمة وتحريرها لتنمو.

فكروا بمجال أو مجالات تشعر فيها أنك مدان أو تخاف الرفض...حيث لا تشعر بأنك كامل. أنت بحاجة لأن تتقدم إليه بتواضع وصدق حيث أنت مقصراً عن شريعة الله. لا يوجد حاجة لأن تكذب ولا حاجة لأن تختبئ ولا حاجة لتشعر بالإدانة.

"فالآن إذا ليس على الذين في المسيح يسوع أية دينونة بعد. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حررني من ناموس الخطيئة ومن الموت.فإن ما عجزت الشرِيعة عنه... أتمه الله إذ أَرسل ابنه...حتى يتم فينا البر الذي تسعى إليه الشرِيعة، فينا نحن السالكين لا بحسب الجسد بل بحسب الروح" (رومية 1:8-4).